الشيخ السبحاني

73

مفاهيم القرآن

الفاعل وإرادته سواء أقلنا إنّ نفس الإرادة أيضاً أمر اختياري أو خارج عنه ، وهذا لا يهمنا في هذا البحث ، وإنّما المهم إناطة اختياريّة الفعل بسبق الإرادة عليها والفاعل المريد المختار أكمل من الفاعل غير المريد المختار ، وعلى ضوء ذلك لا يمكن سلب الإرادة والاختيار عنه سبحانه لأنّ فقدان الإرادة يستلزم أمرين : 1 - كونه فاعلًا غير مريد وبالتالي غير مختار . 2 - كونه فاعلًا غير كامل لأنّ المريد أكمل من غيره وبالتالي المختار أفضل من غيره . وإن شئت قلت : إنّه سبحانه أمّا ان يكون فاعلًا فاقداً للعلم . أو يكون عالماً فاقداً للإرادة . أو يكون عالماً ومريداً لكن عن كراهة لفعله لأجل جبر خارجي عليه يقهره على الإرادة . أو يكون عالماً ومريداً وراضياً بفعله غير مكره . والثلاثة الأوّل غير لائقة بساحته ، فيتعيّن كونه فاعلًا مريداً مالكاً لزمام فعله وعمله ، ولا يكون مقهوراً في الإيجاد والخلق ، لأجل وجود جبر قاهر عليه . إذا وقفت على ذلك فالباحث عن إرادته سبحانه وكونها صفة الذات أو صفة الفعل واقع بين أمرين متخالفين : فمن جهة إنّ حقيقة الإرادة لاتنفكّ عن الحدوث والتدريج يستحيل أن يكون ذاته سبحانه محلًا للحوادث ، لاستلزامه طروء الفعل والانفعال على ذاته سبحانه وهو محال ، ولأجل ذلك ذهب كثير من المتكلّمين إلى انّ الإرادة من صفات فعله ، فإرادته هو إيجاده كما انّ خالقيته عبارة عن فعله وإيجاده ، ورازقيّته عبارة عن انعام الخلق بنعمه . ومن جهة أخرى انّ سلب الإرادة عن ذاته وحصر إرادته في الفعل والايجاد